محمد سعيد رمضان البوطي
125
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ثمة ما يستوجب مبايعته على القتال ، ما دام أن الإذن به لم يأت بعد ، وما دام أن هؤلاء المبايعين سيلتقون بعد عام مرة أخرى برسول اللّه . لقد كانت البيعة الأولى إذن بيعة مؤقتة ، بالنسبة لاقتصارها على تلك البنود فقط ، وهي البنود التي بايع عليها النساء فيما بعد . أما البيعة الثانية ، فقد كانت الأساس الذي هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة بناء عليه ، ولذا فقد كانت شاملة للمبادئ التي ستتم مشروعيتها بعد الهجرة إلى المدينة ، وفي مقدمتها الجهاد والدفاع عن الدعوة بالقوة ، وهو حكم وإن لم يكن قد أذن اللّه بشرعيته في مكة ولكن اللّه عز وجل قد ألهم رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن ذلك سيشرع في المستقبل القريب . ومن هنا تعلم أن مشروعية القتال في الإسلام لم تكن إلا بعد هجرته صلّى اللّه عليه وسلم على الصحيح ، وليس كما قد يفهم من كلام ابن هشام في سيرته أنه إنما شرع قبل الهجرة عند بيعة العقبة الثانية . وليس في بنود تلك البيعة ما قد يدل على مشروعية القتال حينئذ ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم إنما أخذ على أهل المدينة عهد الجهاد نظرا للمستقبل ، عندما سيهاجر إليهم ويقيم بينهم في المدينة . والدليل على هذا ما سبق ذكره أن العباس بن عبادة قال بعد البيعة : « واللّه الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا » ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم » . ومن المتفق عليه أن أول آية نزلت في الجهاد ومشروعيته هي قوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ، وقد روى الترمذي والنسائي وغيرهما عن ابن عباس قال : « لما أخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم من مكة ، قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ، إنا للّه وإنا إليه راجعون ، ليهلكنّ . قال ابن عباس : فأنزل اللّه عز وجل أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ قال أبو بكر رضي اللّه عنه : فعرفت أن سيكون قتال » « 42 » . أما لماذا تأخرت مشروعية الجهاد بالقوة إلى هذه الفترة فللحكم التالية : 1 - من المناسب أن يسبق القتال تعريف بالإسلام ، ودعوة إليه وإقامة لحججه ، وحل للمشكلات التي قد تقف في سبيل فهمه . ولا ريب أن هذه هي المراحل الأولى في الجهاد . ولذا كان القيام بتحقيقها فرض كفاية يشترك المسلمون في المسؤولية عنها . 2 - اقتضت رحمة اللّه بعباده أن لا يحمّلهم واجب القتال ، إلى أن توجد لهم دار إسلام ، تكون لهم بمثابة معقل يأوون إليه ، ويلوذون به . ولقد كانت المدينة المنورة أول دار في الإسلام .
--> ( 42 ) النسائي : 2 / 52 وتفسير ابن كثير : 3 / 224